الشيخ المحمودي
64
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
فقدم التوبة ، واغسل الحوبة ، فلابدّ أن تبلغ إليك النوبة ، وحسّن العمل قبل حلول الأجل ، وانقطاع الأمل ، فكلّ غائب قادم ، وكلّ عريب عازم ؟ [ وكلّ غريب غارم « خ » ] ، وكلّ مفرط نادم ، فاعمل للخلاص قبل القصاص ، والأخذ بالنّواص . فإنّك مأخوذ بما قد جنيته * وإنّك مطلوب بما أنت سارق وذنبك إن أبغضته فمعانق * ومالك إن أحببته فمفارق فقارب وسدّد واتق اللّه وحده * ولا تستقل الزّاد فالموت طارق وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ « 1 » . ومن كلام بعض الحكماء : رحم اللّه امرأ لا يغره ما يرى من كثرة النّاس ، فإنّه يموت وحده ، ويقبر وحده ، ويحاسب وحده . وقال بعضهم : لا وجه لمقاساة الهموم لأجل الدّنيا ، ولا الاعتداد بشيء من متاعها ، ولا التّخلي منها . أمّا ترك الاهتمام لها ، فمن جهة أنّه لا سبيل إلى دفع الكائن من مقدورها . وأمّا ترك الاعتداد بها ، فإنّ مرجع كلّ إلى تركها . وأمّا ترك التّخلي عنها ، فإنّ الآخرة لا تدرك إلّا بها . وقال بعضهم : أفضل اختيار الإنسان ما توجّه به إلى الآخرة وأعرض به عن الدّنيا ، وقد تقدّمت الحجة ، وأوذنّا بالرّحيل ، ولنا من الدّنيا على الدّنيا دليل ، وإنّما أحدنا في مدّة بقائه صريع المرض ، أو مكتئب بهمّ ، أو مطروق بمصيبة ، أو مترقّب لمخوف ، لا يأمن المرء من أصناف لذّته من المطعوم والمشروب أن يكون موته فيه ، ولا يأمن مملوكه وجاريته أن يقتلاه بحديد أو سمّ ، وهو مع ذلك عاجز عن استدامة سلامة عقله من زوال ، وسمعه من صمم ، وبصره من عمى ،
--> ( 1 ) آية 281 ، من سورة البقرة : 2 .